أبو طالب..؟
السبت, 07 سبتمبر 2013 20:18

altسيدي محمد بن جعفر - من كتاب  تحت الطبع يتناول مصادر الغلو والتكفير في التراث الاسلامي:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الموضوعات المثيرة لحفيظة الغلاة وسدنة التطرف خاصة من الطوائف السنية لأن التكفير في عصرنا والتفجير يكاد ينحصر في أتباعهم، ثم نناقشها عارضين أراء الخصوم والأنصار ، وسنبدأ بوقفة عند قضية  مثيرة وحساسة ومفرقة الأكبر طوائف المسلمين منذ عصور وحتى لأن إنها قضية إسلام أو كفر أبو طالب حيث يعتبر متعصبة السنة أن الشاك فيها كافرا ،مع وجود أصوات علمية سنية كبيرة خافتة ترى أنه كان موحدا رغم  إطمارها في أعماق مجهول الفكر السني، فلا يكاد يصدقها أو يعترف بوجدها أصلا إلا القلة القليلة من الذين لم يتأثروا كثيرا  بمؤثرات الدولتين الأموية والعباسية التين قامتا على سياسية إخفاء كل ما من شأنه أن يضعهم  في درجة أقل من عائلة الرسول الخاصة، أي عائلة أبي طالب شقيق والده ومربيه وكافله بعد جده، والمنافح عنه وحاميه بعد دعوته والقائل في مدحه:

ودعوتني وعلمتٌ أنك صادقا    ولقد صدقت وكنت ثَمً أمينا

ولقد علمتُ بأن دين محمد      من خير أديان البرية دينا

والقائل أيضا

 الم تعلموا أنا وجدنا محمدا       رسولا كموسى صح ذاك في الكتب

 بداية سنقدم الجو الذي كان يحيط أبا طالب واستعداده الذهني لتقبل فكرة أن بن أخيه ليس شخصا عاديا ثم لنترك القارئ يناقش يقتنع أولا .

إن  كل  مؤرخي هذه الفترة من المسلمين متفقين على أنه  كان  من أوائل المطلعين على الدين الجديد وأنه كان ينتظره، وينقلون كذلك التصاق الطفل العظيم به بعد موت جده "قال قوم من بني مدلج لعبد المطلب أحفظه –يعنون رسول الله -فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه –يقصدون قدم سيدنا إبراهيم-،فقال عبد المطلب لأبي طالب أسمع ما يقول هؤلاء فكان أبو طالب يحفظه..  وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده وكان لا ينام إلا إلى جنبه ، ويخرج فيخرج معه ، وصب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط .. وكان الصبيان يصبحون رُمصا شُعثا ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهينا كحيلا ... وكان أبو طالب يحفظه ويحوطه ويعضده وينصره .... وعن علي قال أخبرت رسول الله بموت أبي طالب فبكى ثم قال أذهب فاغسله وكفنه ووراه غفر الله له ورحمه ... وجعل رسول الله يستغفر له أياما لا يخرج من بيته  عن محمد بن عمر الأسلمي قال توفي أبو طالب ... وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة أيام .. فاجتمعت على رسول الله مصيبتانا موت خديجة بنت خويلد وموت أبي طالب عمه  بن سعد " إضافة إلى وصية والده  له بالطفل "وكان عبد المطلب يوصي برسول الله صلى الله عليه و سلم عمه أبا طالب وذلك أن أبا طالب وعبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانا لأم فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد جده  [1]"  

أبوطالب الذي كان والده يردد على مسامعه أن لهذا الطفل  شأنا سيكو وعرف كل هذا ألا يثير التمسك بنشر كفره تساؤلات خاصة وأن الأدلة المعتمدة  كما سنرى قابلة للنقاش، ولا تفيد يقينا ، نضيف هنا  نقلهم أخبار أبو طالب  مع رهابين الشام[2] "ثم إن أبا طالب خرج في ركب من قريش إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير تعلق به رسول الله صلى الله عليه و سلم ... فرق له أبو طالب فقال والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا ... فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له وكان ذا علم من أهل النصرانية ... فلما رأى بحيرى رسول الله صلى الله عليه و سلم جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته ...قال بحيرى لعمه أبي طالب... ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغُنه شرا فإنه كائن له شأن عظيم فأسرع به إلى بلده ،فخرج به عمه سريعا حتى أقدمه مكة" كلها هذه مروياتهم رغم نفور غالبيتهم من سماع أي كلمة خير تتعلق به ورغم إدراج كل المؤرخين على أن بعض نبهاء القوم كانوا ينتظرون نبيا قد أظل زمانه وانتشر في أرجاء بلاد العرب خبره ، نفور غير مستساغ علميا ما لم تكن دوافعه سياسية.

يعتمد القائلون بكفر أبي طالب على أثرين  وردا في البخاري ومسلم بألفاظ متعددة من طريق بن شهاب الزهري  عن أبي هريرة  حيث قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" وتقول الرواية  أنه اختار ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لأستغفرن لك ما لم أُنه عنه" فنزلت [ ما كان للنبي والذين امنوا أن يستغفروا للمشركين ] ونزلت [إنك لا تهدي من أحببت] لنناقش هذا الأثر ثم لنظر مدى تماسكه من عدمه ،إن مشكلات كثيرة تواجه هذا الحديث وفقا لمناهج السنة أنفسهم ،فهو من روايه أبي هريرة وقد اسلم سنة سبع للهجر، وأبو طالب توفي سنة تسع للبعثة على المشهور؟، هذه الملاحظة الأولى ، والثانية أن أبا هريرة لم يذكر عن من رواه وهو غير حاضر؟ والزُهري رغم مكانته العلمية الكبيرة غير أنه أموي المشرب والهوى وهذا ما لا يتم التعرض له عادة عند عرض مروياته  قال الذهبي  (في كتابه سير أعلام النبلاء ) أن الزهري قال: وتوفي عبد الملك فلزمت ابنه الوليد ، ثم سليمان ، ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد -فاستقضى يزيد بن عبد الملك الزهري-  ثم لزمت هشام بن عبد الملك-وصير هشام الزُهري مع أولاده يعلمهم ويحج معهم- وأضاف  الذهبي "كان رحمه الله محتشما بزي الأجناد له صورة كبيرة في دولة بني أمية"؟ ألا يطرح هذا الوضع تساؤلات ؟ أعتقد أن على الباحثين المتحررين من التخندق من أجل تخفيف التعصب أن يبرزوا الخلفيات الفكرية للرواة حتى نتجاوز عقدتهم فنقول أموي المشرب أو عباسي التوجه خاصة أننا متفقون على عدم عصمتهم، فكيف نحكم برواية خصم ؟ هل يعقل أن يتقلد الزهري كل هذه المناصب في الدولة الأيام وهو يكن حبا لوالد علي؟

 ثم لنستمع ما يقولون في الآية الأولى (ما كان للنبي والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى) فقال  بن حجر العسقلاني وهو ناصبي في كتابه  فتح الباري"هذا فيه إشكال لأن وفاة أبا طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقا"  وقال القرطبي "هذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة" ؟

أما الآية الأخرى [إنك لا تهدي من أحببت]  فتطرح بدورها تساؤلات تجعل الاستشهاد بها فيه قدر كبير من تطويع الوحي للإغراض السياسية، فسياق الآية هو [وإذا سمعوا للغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو اعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدي معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون ]وهذا خطاب لجماعة مثل قوله تعالى [ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء]  كما أن أبا طالب لم يخش أن" يُتخطف من أرضه" بدليل مناصرته للنبي صل الله عليه وعلى آله وسلم فلو خاف من ذلك لما دافع عنه وحصر في الشعب معه"

ثانيا: كيف يصح عود الضمير على أبي طالب في قوله تعالى [من أحببت] وهو  صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يحب الكفار! فقد قال تعالى [إنه لا يحب الكافرين] وقال تعالى [لا تجد قوما يومنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أبائهم أو أبنائهم أو عشيرتهم ]

الحديث الثاني رواه مسلم من طريق عبد الله بن الحارث أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أغنيت عن عمك ؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟"قال هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"ورواه البخاري  ومسلم  بصيغة" لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه[3]"

وقد نقله القرطبي عن مسلم بصيغة أخرى أكثر تفصيلا "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار"

الملاحظة الأولى: أن راوي الحديث عبد الله بن نوفل بن أخت معاوية بن أبي سفيان؟ أو نصدقه في هذه الرواية ؟

 الملاحظة الثانية: أن الألفاظ التي ورد بها الحديث على تعدادها مخالفة لصريح القرءان:فقد أخبر الله بأن الكفار [لا يخفف عنهم من عذابها] وأخبر عنهم بالقول [يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم  عذاب مقيم] وقال عنهم [فما تنفعهم شفاعة الشافعين] فكيف يعتمد على هذا الأثر المتناقض مع صريح القرءان في هذه المسالة الشائكة المعقدة المسببة للكثير من الفرقة ؟.ألا تطرح صحته أصلا شكوكا بغض النظر عن رواته؟

لننقل آراء سنية على النقيض من هذا الموقف الأموي العباسي المستعد لسفك دم من يقول بنجاة مربي رسول الله صلى الله عليه وسلم سنبدأ برأي لمفكر معاصر ولد وترعر في جو شديد النصب ، شديد الكره لآل البيت، جو زاد فيه النصب والغلو ضد آل البيت الصراع مع إيران الشيعية  فأصبح مشروعه الفكري جله منصبا على إبراز مساوئ الشيعة وتكفيرهم وتبديعهم والحط من قيمة آل البيت والتنقيص منهم، من هذا الجو العدائي لأبي طالب ننقل رأي المفكر السعودي حسن فرحان المالكي في نجاة وإسلام أبي طالب .

"أبو طالب بن عبد المطلب عم النبي (ص) وكافله ومؤويه وحاميه.. وهو من أعظم الصحابة المكيين عند ترك التعصب والنزوع إلى الإنصاف، وهذا الصحابي الكبير لم يشأ بنو أمية أن يموت على الإسلام، فدبجوا ما دبجوه من الروايات  والأحاديث التي تقول إنه مات على الشرك وأنه سيغلي دماغه وأن هذا أخف ما يعذب به! مع أن له الدور المكي كله تقريباً.. وبقية الصحابة لهم الدور المدني.. ،  نعم كان يكتم إيمانه، وهذا أدعى في النصرة والحماية، وكان يجيب الجميع بأنه على ملة عبد المطلب، وعبد المطلب لم يكن مشركاً، بل كان حنيفياً على ملة إبراهيم، وقد بالغت السلفية في إحاطة النبي (ص) بالنار، فحكمت على أبوي النبي (ص) بالنار وعلى عمه وعلى جده .. بينما أحاطت معاوية بالجنة، فبشرته بأنه هو وأبوه أبو سفيان وأمه هند بنت عتبة و ابنه يزيد في الجنة وتفصيل هذه الإحاطة بالنار للنبي (ص) وبالجنة لمعاوية ليس في هذا المكان"

ومن القائلين بإسلامه من مشاهير السنة الذين ألفوا كتبا في نجاته ، نذكر الأسماء التالية من المالكية الأجهوري ، والتلمساني، والقرطبي، ومن الشافعية السيوطي ، والبرزنجي محمد بن رسول  صاحب الموصل، ومفتى الشافعية في مكة محمد بن زيني دحلان ، والسبكي ، والشعراني، والمسعودي، ومن الحنفية أحمد بن الحسين الموصلي ، ومحمد بن  سلامة القضاعي. ومن أشهر كتب السنة في الموضوع شرح التلمساني على شفاء عياض حيث يحكم فيه بردة القائل بكفر أبي طالب وكتاب بغية الطالب الإيمان أبي طالب البرزنجي ، إثبات إسلام أبا طالب محمد معين التتوي الحنفي، السهم الصائب لكبد من آذى أبا طالب أبو الهدى الرافعي ، غاية المطالب في بحث إيمان أبي طالب علي كبير لإله أبادي، فيض الواهب في نجاة أبي طالب أحمد الخالدي الحنفي وتوجد كتب أخرى يمكن تتبعها في معاجم ما ألف عن أبي طالب .

وقد ذكر أحمد بن الحسين الحنفي في شرحه لكتاب شهاب الأخبار للعلامة محمد بن سلامه القضاعي المتوفي سنة 454 أن بغض أبي طالب كفر ونص على ذلك من المالكية العلامة علي الأجهوري في فتاويه، والتلمساني في حاشيته على الشفاء فقال عند ذكر أبي طالب "لا ينبغي أن يذكر إلا بحماية النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم لأنه حماه ونصره بقوله وفعله ، وفي ذكره بمكروه أذية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومؤذي النبي كافر والكافر يقتل  وقال أبو الطاهر المالكي من أبغض أبا طالب فهو كافر."  أين إجماع السنة على كفره كما يردد عوام أهل العلم ومفكري النواصب؟

كما يمكن الإشارة إلى أن "حديث العبّاس بن عبد المطّلب هذا يعارضه ويناقضه حديثه الآخَر الذي أخرجه ابن سعدٍ في (الطبقات) (35) عن عفّان بن مسلمٍ ، قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمة ، عن ثابتٍ ، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث ، قال : قال العبّاس : يا رسولَ الله ، أترجو لأبي طالبٍ ؟ قال : كلَّ الخير أرجو من ربّي.

ورواه زيد بن الحبّاب ، عن حمّادٍ ، به (36) .

فلولا عِلْم النبيّ‏ صلى الله عليه وآله بإيمان عمّه أبي طالبٍ لَما كان يرجو له كلَّ الخير من ربّه تعالى ، مع ما أخبره الله جلّ ذِكره من خلود الكفّار في النار ، وحرمان الله تعالى لهم الخيرات ، وتأبيدهم في العذاب على وجه الاستحقاق والهوان (37) .

وقال العلّامة البرزنجيّ الشافعيّ : رجاؤه‏ صلى الله عليه وآله محقَّقٌ ، ولا يرجو كلَّ الخيرَ إلّا لمؤمنٍ ، ولا يجوز أن يُراد بهذا ما حصل له من تخفيف العذاب ، فإنّه ليس خيراً ، فضلاً عن أن يكون كلَّ الخير ، وإنّما تخفيف العذاب تخفيف الشرّ ، وبعض الشرّ أهون من بعضٍ ، وحصول كلّ الخير إنّما يكون بدخول الجنّة (38) هـ

وأخرج الإمام شمس الدين ابن مَعَدٍّ رحمه الله بإسناده عن عِكْرِمة ، عن ابن عبّاسٍ ، قال : أخبَرني العبّاس بن عبد المطّلب أنّ أبا طالبٍ شهد عند الموت أنْ لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله (39) .

وأخرج الشيخ الصدوق أبو جعفر بن بابويه القمّي ‏رحمه الله في (الأمالي) (40) بإسناده عن الأعمش ، عن عباية بن رِبْعيٍّ ، عن عبد الله بن عبّاسٍ ، عن أبيه ، قال : قال أبو طالبٍ لرسول الله‏ صلى الله عليه وآله: ياابن أخي ، الله أرسلك ؟ قال : نعم ، قال : فأَرِني آيةً ، قال : ادْعُ لي تلك الشجرة ، فدعاها فأَقْبَلتْ حتّى‏ سجدت بين يديه ، ثمّ انصرف ، فقال أبو طالبٍ : أشهد أنّك صادقٌ ، يا عليُّ صَلِّ جناح ابن عمّك.

وأخرج البيهقيّ في (دلائل النبوّة) (41) قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب ، قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار ، قال : حدّثنا يونس بن بُكَيْرٍ ، عن ابن إسحاق ، قال: حدّثني العبّاس بن عبد الله بن مَعْبِدٍ ، عن بعض أهله ، عن ابن عبّاسٍ ، قال : لمّا أتى رسولُ الله‏ صلى الله عليه وآله أبا طالبٍ في مرضه قال له: يا عمّ ، قل : لا إله إلّا الله ، كلمة أستحلّ بها لك الشفاعة يوم القيامة ، قال : يا ابن أخي ، والله لولا أنْ تكون سُبّة عَليَّ وعلى أهلي من بعدي ، يَرَون أنّي قلتها جَزَعاً عند الموت ؛ لقلتها ، لا أقولها إلّا لأُسِرَّك بها ، فلمّا ثقُل أبو طالبٍ رُؤي يُحرِّك شَفَتَيْه ، فأصغى إليه العبّاس فسمع قولَه ، فرفع رأسه عنه فقال : قد قال - والله - الكَلِمَ التي سأله عنها.

يمكن القول بأن التركيز على إشاعة مقولة كفره وجعلها مسلمة يشكك في إيمان منكرها عند البعض تدخل في إطار إخفاء فضل هذه العائلة  حتى لا ينفرد أحفادها المطالبين بالسلطة المفروض أنها مستمدة من سلطة الدين وليس من الغلبة كما حدث تاريخيا أن ينفردوا بكل المحامد ضد غريمتيهما اللتين تفاخران بإسلام جديهما وتكفران أبي طالب، فكانت المبالغة في إسلام العباس ودوره في مساندة الرسول وهو كافر رغم أن إسلامه جاء  متأخرا ، بمعنى أنه ليس من أصحاب الصحبة الخاصة المرضي عن أصحابها في الغالب والتي تنتهي ببيعة الرضوان،(-أي بالفتح المبين- الذي هو صلح الحديبية وليس فتح مكة حسب الثابت في الموضوع وليس المروج عن فتح مكة)  والمفاخرة بإسلام أبي  سفيان رغم تحفظ بعض أكابر الصحبة عليه مثل عمر بن الخطاب وعمار بن ياسر وبلال بن رباح  وآخرون كثر رضوان الله عليهم  من المهاجرين والأنصار، ولعل تصريحه يوم حنين  الذي قال فيه بعد هزيمة المسلمين " الآن بطل السحر والله لن يردهم البحر وإن الأزلام لفي كنانته " يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا التصريح الخطير جاء بعد فتح مكة،  لا نجد اهتماما لدى السنة بهذه المقولة هل هي مكفرة أم لا؟ وهو تشف ظاهر برسول  الله وفرح بهزيمته ، كما لم ينقلوا عنه تراجعا عن هذا التصريح رغم أنه جاء بعد إسلامه؟ قال عنه بن عبد البر" واختلف الناس في إسلامه فطائفة ترى أنه لما أسلم حسن إسلامه ...وطائفة ترى أنه كان كهفا للمنافقين منذ أسلم ، وكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة ... وفي حديث إسلامه – يا أبا سفيان ألم يا نلك أن تعلم أني رسول الله ..فقال أما هذه ففي القلب منها شيء فقال له العباس ويلك اشهد شهادة الحق قبل أن تضرب عنقك فشهد .. وفي خبر بن الزبير أنه رآه يوم اليرموك ،قالت فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان أيه بني الأصفر فإذا كشفهم المسلمون قال أبو سفيان وبنو الأصفر الملوك ملوك الروم لم يبق منهم مذكور، فحدث بن الزبير أباه لما فتح الله على المسلمين ، فقال الزبير قاتله الله يأبى إلا نفاقا أو لسنا خير له من بني الأصفر؟... وروى الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان حين صار الخليفة، فقال: فقد صارت إليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة واجعل أوتادها بني أمية فإنما هو الملك ولا أدري ما جنة ولا نار ، فصاح به عثمان قم عني فعل الله بك وفعل ..وله أخبار من مثلها رديئة وفي بعضها ما يدل على أنه لم يكن إسلامه سالما [4]"

مراجعات هذه القضية وغيرها خاصة مسألة إقصاء أصحاب الصحابة الخاصة (من العهد المكي وحتى بيعة الرضوان) وظلمهم لدى الطائفتين ، وإبراز الوجه الحقيقي للتاريخ قد يساعد في تخفيف حدة التعصب والاقتتال  بيننا والمؤصل على أنه دين منذ عصور بسبب ساسة ظلمة جندوا غالبية علماء زمانهم للدفاع عن ظلمهم وأرهبوا وأسكتوا جل الأصوات المخالفة لهم قتلا وسجنا وتعذيبا،فبقوة الدولة لمعت أسماء ، وبجبروت الدولة أخفيت أسماء متميزة علما ودينا وخلقا وبحثا وتدقيقا.

لنعالج هذه القضايا بعقلانية علمية من أجل التخفيف من حدة التناحر والتباغض فليس علماء السنة أوصياء على الصحابة وليس مراجع الشيعة أولياء آل البيت.  هذه زبدة حجج القائلين بكفر أبي طالب ولاشك أنها قابلة للنقاش والأخذ والرد فهي لا تفيد يقينا، رغم أن بعض غلاة السنة يذهبون بعيدا في هذه المسألة حيث يتهمون منكرها كافرا وقد رأيت هشاشة الأسس التي يبنون عليها حججهم التي لا يلتفون عند عرضها للعامل السياسي  والبغض الشديد لآل البيت وكل من يمت لهم بصلة في الجو الذي يرون فيه مثل هذه الأحاديث ولا عن رواتها الذين هم جزء من البلاط الأموي ، وخواص خواصه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

[1]تاريخ الأمم والملوك  :محمد بن جرير الطبري  دار الكتاب العلمية بيروتج -3-  ص 518  الطبعة الأولى  1407

[2]تاريخ الأمم والملوك  :محمد بن جرير الطبري  دار الكتاب العلمية بيروتج -3-  ص 518  الطبعة الأولى  1407 

[3]هذا الحديث رَوَي عن العبّاس بن عبد المطّلب ، وأبي‏سعيدٍ الخُدريّ ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ ، والنُّعمان بن بَشيرٍ ، وابن عبّاسٍ ، وأبي‏هُريرة ؛ مرفوعاًوقد عدلنا عن تتبع رواية النعمان لأنها لم تصرح باسم ابي طالب رغم الطعون الكثيرة في روايتها . ورواه عُبيد بن عُمير بن قَتادة اللّيثيّ الجُنْدَعيّ ، والشَّعبيّ ، ويزيد الرقاشيّ ؛ مُرسلاً ،فأمّا حديث العبّاس بن عبد المطّلب ؛ فقد أخرجه أحمد في مسنده  قال حدّثنا وكيع ، حدّثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ ، عن عبد الله بن الحارث ، عن العبّاس بن عبد المطّلب أنّه قال : يا رسول الله ، عمّك أبو طالبٍ كان يحُوطك ويفعل ؟ قال : إنّه في ضَحْضاحٍ من النار  ، ولولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل. ورواه ابن أبي ‏شَيْبة أيضاً في (مصنَّفه)  .وفي إسناده : وكيع بن الجرّاح بن مليحٍ الرؤاسيّ ، وقد اشتهر عنه شرب المسكر وملازمته له  قال نعيم بن حمّادٍ : تعشَّيْنا عند وكيعٍ - أو قال : تَغَدَّيْنا - فقال : أيّ شي‏ءٍ أجيئكم به ، نبيذ الشيوخ أو نبيذ الفتيان ؟ قال : قلت : تتكلّم بهذا ؟! قال هو عندي أحلّ من ماء الفرات  وقال يعقوب بن سفيان : سُئل أحمد إذا اختلف وكيعٌ وعبد الرحمن ، بقول مَن نأخذ ؟ فقال : عبد الرحمن موافق ، ويَسْلَم عليه السَّلَف ، ويجتنب شربَ النبيذ. وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ ، عن أبيه ، قال أخطأ وكيعٌ في خمسمائة حديثٍ  وفي إسناده أيضاً : سفيان بن سعيدٍ الثوريّ ، وقد كان يدلّس عن الضعفاء ، وقيل  كان يدلّس ويكتب عن الكذّابين وذكر ابن حِبّان أنّه كان إذا حدّث عن الصَّلْت بن دينارٍ الأزديّ البصريّ - أبي شُعيبٍ المجنون - يقول : حدّثنا أبو شُعيبٍ ولا يسمّيه ، وكان أبو شعيبٍ ينتقص عليّاً عليه السلام وينال منه ؛ على كثرة المناكير في روايته ،وقال ابن المبارك : تحدّث سفيان بحديثٍ فجئته وهو يدلّسه ، فلمّا رآني استحيى‏ ، وقال : نرويه عنك ،وقال الخطيب البغداديّ كان الأعمش وسفيان الثوريّ يدلّسان تدليسَ التَّسْوية ، وهو شرّ أنواع التدليس وأقبحه - كما قال الحافظ العلائيَّ. وقال الحافظ ابن حجرٍ : لا شكّ أنّه جَرْحٌ وإن وُصِفَ به الثوريُّ والأعمش ، فلا اعتذار أنّهما لا يفعلانه إلّا في حقّ مَن يكون ثقةً عندهما ، ضعيفاً عند غيرهما   وقد عنعن  سفيان  في حديثه هذا ولم يذكر سَماعاً ، والمدلِّس لا يُقبل من حديثه إلّا ما صرّح فيه بالسَّماع. وأخرج أحمد أيضاً في (مسنده) قال : حدّثنا عفّان ، حدّثنا أبو عَوَانَة ، حدّثنا عبد الملك بن عُميرٍ ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفلٍ ، عن عبّاس بن عبد المطّلب قال : قلت : يا رسول الله ، هل نفعتَ أبا طالبٍ بشي‏ءٍ ، فإنّه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : نعم ، هو في ضَحْضاحٍ من النار ، ولولا ذلك لكان في الدَّرْك الأسفل من الناروأخرجه البخاريّ في صحيحه عن موسى بن إسماعيل  ومُسَدَّدٍ   ومسلمٌ أيضاً في  صحيحه عن عُبيد الله بن عمر القواريريّ ومحمّد بن أبي بكرٍ المقدّميّ ومحمّد بن عبد الملك الأمويّ  ،كلّهم عن أبي عَوَانَة الوضّاح بن عبد الله الواسطيّ. وأخرج أحمد في  مسنده عن يحيى بن سعيدٍ ، والبخاريّ في  صحيحه  عن مسدَّدٍ ، عن يحيى‏ ، عن سفيان ، حدّثني عبد الملك بن عُميرٍ ، حدّثنا عبد الله بن الحارث ، حدّثنا العبّاس ، قال : قلت للنبيّ‏ صلى الله عليه وآله : ما أَغْنيتَ عن عمّك ، فقد كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : هو في ضَحْضاحٍ ، ولولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل من النار

وأخرج مسلم في  صحيحه قال : حدّثنا ابن أبي عمر ، حدّثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عُميرٍ ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : سمعتُ العبّاس يقول : قلت : يا رسول الله ، إنّ أبا طالبٍ كان يحوطك وينصرك ويغضب لك ، فهل نفعه ذلك ؟ قال : نعم ، وجدته في غمراتٍ من النار فأخرجته إلى ضَحْضاحٍقال مسلم  وحدّثنيه محمّد بن حاتمٍ  ، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ ، عن سفيان ، قال : حدّثني عبد الملك بن عُميرٍ ، قال : حدّثني عبد الله بن الحارث ، قال : أخبرني العبّاس بن عبد المطّلبوحدّثناه أبو بكر بن أبي شَيْبة ، حدّثنا وكيعٌ ، عن سفيان بهذا الإسناد عن النبيّ‏ صلى الله عليه وآله بنحو حديث أبي عَوَانة  وإن كان ابن عُيَيْنة بن ميمونٍ الهلاليّ (24) فقد كان يدلّس - كما بترجمته في «ميزان الاعتدال»  وصرّح الترمذيّ بتدليسه في حديث: اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكرٍ وعمر  وقد عرفت ممّا مرّ أنّ حديث عبد الله بن الحارث بن نوفلٍ عن عمّ جدّه العبّاس بن عبد المطّلب قد تفرّد به ابن عُميرٍ ، ومَدارُه عليه وهو ممّن تكلّم فيه أئمّة الجرح والتعديل ، وطعنوا في حديث قال الإمام أحمد : ضعيف يغلط ، وقال ابن خراش : كان شعبة لا يرضاه ، وقال إسحاق بن منصور : ضعّفه أحمد جدّاً ، وقال عليّ بن الحسن الهَسَنجْانيّ عن أحمد : عبد الملك مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته ، وما أرى له خمسمائة حديثٍ ، وقد غلط في كثيرٍ منها ، وقال إسحاق بن منصور عن ابن مَعينٍ : مخلِّط ، وقال ابن حِبّان : كان مدلِّساً. وقال الشيخ الإمام المجدِّد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النُّعمان المفيد رحمه الله تعالى في (الإفصاح) عبد الملك بن عُميرٍ من أبناء الشام وأجلاف محاربي أمير المؤمنين‏عليه السلام حتّى قلّدوه القضاء ، وكان يقبل فيه الرِّشا ، ويحكم بالجَوْر والعدوان ، وكان متجاهراً بالفجور والعَبَث بالنساء

 

[4]الاستيعاب ج 4 ص 1678-1679